محمد كبريت الحسيني المدني
45
الجواهر الثمينة في محاسن المدنية
وتأمل في الأرض آيات فلا تك منكرّا * وعجائب الأشياء من ملكوته ومنها : حديث « يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدوا عالما أعلم من عالم المدينة » « 1 » . قيل معناه : أن العالم من أهل المدينة أعلم منه من غير أهلها ، وفيه إشارة إلى أن للبقاع أثرّا في ذلك وفي الأرض قطع متجاورات فافهم . وقول ابن عيينة : نرى هذا العالم مالك بن أنس لا يمنع من ذلك ، لأن مالكا كان إذ ذاك من علماء المدينة [ ويؤيده ] « 2 » قول سفيان ، وقد قيل له ما قاله ابن عيينة . « إنما العالم من يخشى اللّه تعالى . ولا يعلم أحد كان أخشى للّه تعالى من العمري قتيبة .
--> - لأن الأدلة إنما أثبتت عصمة الكل عن الخطأ ولم تثبت عصمة البعض عنه ، فكان قول الكل هو الحجة . وقال الإمام مالك - رضي اللّه عنه - : إن إجماعهم حجة إذا كانوا من الصحابة أو التابعين واستدل على ذل بما يأتي : أولا : قوله - صلى اللّه عليه وآله وسلم - « إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد » . ووجه الدلالة : أن النبيّ - صلى اللّه عليه وآله وسلم - أخبر عن المدينة بأنها طيبة وأنها تنفي الخبث ، والمراد نفي الخبث عن أهلها فلا يقع الخبث منهم والخطأ نوع من الخبث فلا يقع من أهل المدينة خطأ ، فيجب قبول قولهم لعصمتهم وهو المدّعي . وثانيّا : ان الصحابة والتابعين - رضوان اللّه عليهم أجمعين أعرف الناس بأحوال الرسول - صلى اللّه عليه وآله وسلم - وخصوص من وجد منهم بالمدينة لأنهم شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل ، فإذا أجمعوا على أمر أحالت العادة أن يكون ذلك الإجماع عن دليل مرجوح وقضت بأن يكون عن دليل راجح فيقبل قولهم لذلك ويكون حجة على غيرهم . والجواب عن الدليلين : أما الدليل الأول : فأولا : لا نسلم أن الخطأ نوع من الخبث بل هو مباين له لأن الخطأ معفو عنه والخبث منهي عنه ، يدل لذلك قوله - صلى اللّه عليه وآله وسلم - « رفع عن أمتي الخطأن » ، وقوله « الكلب خبيث وثمنه خبيث ومهر البغي خبيث » . وثانيّا : سلمنا أن الخطأ نوع من الخبث ولكن نقول : إن الأخبار عن المدينة بأنها طيبة تنفي الخبث لا ينافي أن غيرها كذلك ، وتخصيصها بالذكر لإظهار شرفها وخطرها فيكون خبر غيرهم مقبولا كخبرهم متى تحققت فيهم العصمة . ويناقش الدليل الثاني : بأن ما قيل في أهل المدينة من الصحابة والتابعين يتحقق في الصحابة والتابعين من غير أهلها كأهل البصرة والكوفة ، وكان مقتضى هذا أن يكون إجماعهم حجة مع أن مالكا لم يقل بذلك وإذا علم أن مدار الاجتهاد في الأحكام على النظر والبحث والاستدلال وذلك لا يختلف بالقرب والبعد ولا باختلاف الأماكن ، علم أن تخصيص إجماع أهل المدينة بالحجية لا وجه له . انظر / المستصفى للغزالي ( 1 / 187 ) . فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ( 2 / 232 ) . إحكام الأحكام للآمدي ( 1 / 349 ) . أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ( 3 / 154 ) . ( 1 ) أخرجه الترمذي في العلم ( 5 / 47 ) - الحديث ( 2680 ) - والنسائي في الكبرى في الحج ( 2 / 489 ) - الحديث ( 1 / 4291 ) . والإمام أحمد في مسنده ( 2 / 400 ) - الحديث ( 7999 ) - وابن حبان في صحيحه ( ص / 574 ) - الحديث ( 2308 / موارد الظمآن والحاكم في المستدرك في العلم ( 1 / 90 - 91 ) . ( 2 ) في أ [ ويؤيد ] .